الأربعاء، 9 فبراير، 2011

26 يناير ..يوم من حياتي ..تفاصيل اعتقالي والاعتداء على


هذه التدوينة كانت بتاريخ 27 يناير ..ولكن نظرا لإنقطاع النت في مصرفلم يتم نشرها بنفس التاريخ
.....
اعتقال ..حبس ..تحقيق ..أمن الدولة..نيابة ..حجز..جنائيين ..برش !..

مصطلحات أعرفها نظريا
ولكن قدر الله لي أن أراها عمليا !
وسبحان الله قلبي كان حاسس قبلها
الحمد لله

القصة من البداية

في يوم 25 يناير انطلقت الانتفاضة الشعبية ضد الظلم والفساد والجوع والفقر
ورأينا على شاشات التلفزيون انتفاضة الألوف من المصريين باختلاف طوائفهم في شوارع مصر
وكان ملحمة شعبية رائعة ويوم لم ينسى في تاريخ مصر

كنت مترددا في المشاركة من البداية لظروف شخصية
وما كانش ينفع اسيب البيت فأمي لوحدها في البيت
ولو حصل أي اعتقال أو اصابات كان هيبقى وضعها صعب جدا
وكنت في البيت أتابع الأحداث عن كثب
وكنت محرج جدا أكتب أي كلمة على الفيس أو المدونة
لأن المفروض مكاني مش يكون أمام الكمبيوتر على الفيس بوك !
ولكن مكاني المفروض يبقى في ميدان التحرير

وعدى يوم 25 يناير
وكان نفسي اشارك في تلك الملحمة الشعبية الرائعة
وتذكرت قول أحد الصحابة (( لو دعيت الى غيرها لأجبت))
وتذكرت مقولة سيدنا أنس بن النضر بعد أن فاتته غزوة بدر (( فوالله لو اشهدني الله موقفا آخر ليرين الله ما أصنع))
وفوجئت مساء يوم 25 هناك دعوة على الفيس بوك تدعو شباب المنوفية الى وقفة الغضب عند عمر أفندي
وعقدت النية والعزم الى المشاركة مع كافة الشباب

صباح يوم 26

جهزت نفسي للنزول ..حملت شنطتي و مصحفي وانطلقت ..نزلت الى مستشفى شبين الكوم التعليمي ..وقضيت بها بعض الوقت في الاستقبال حتى أذان الظهر ..وانطلقت الى عمر أفندي ..وانا في الطريق لاحظت تواجد كثيف للأمن عند ميدان شرف .. دعوت الله (( اللهم اكفنيهم بما شئت وكيف شئت)) ..ولزمت الاستغفار حتى وصلت الى ما بعد عمر أفندي بمسافة بسيطة ..وعديت الكوبري وصليت في مسجد نقابة الزراعيين ..صليت السنة والظهر وركعتين حاجة الى الله ..ودعوت الله أن يحفظ الشباب وأن تتم و تنتهي الوقفة على خير وجه .
بعد الصلاة قابلت أحد الشباب حبايبي ..وبدانا بتفقد الوضع ..واثناء تفقدنا للوضع ..اعتقل عبد العزيز علام صديقي العزير ..حيث قام بالهتاف في شارع عمر ومعه علم مصر ..وتم احتجازه في سيارة الترحيلات ..كنت اتابع وانقل الوضع للفيس بوك عبر جوالي ..وتقريبا في الساعة الواحدة توقف الفيس بوك فجأة ..فعلمت بعدها أنه تم حجب الفيس بوك ..

البنات علمونا الشجاعة !

كان هناك اعداد كبيرة من الناس تراقب عن بعد ..ومش عارف الناس دول جايين يتظاهروا ولا بيتفرجوا..يعني دول معانا ولا مش معانا ..الوضع فعلا كان صعب ..طيب نبدا ازاي وفين ؟ ..طيب مين المنظم ؟! ..مش لاقيين حد ..فين يا اخواننا نشطاء المنوفية اللي بنشوفهم على النت ..لاحظت أن مخبرين الامن بدأوا يحتكوا بالبنات ..وقعدوا يبعدوهم عن ميدان عمر ..وعدوهم الكوبري لغاية لما وقفوا في الميدان المقابل في البر الشرقي ..كان معانا حوالي 10 شباب و 50 بنت ..قلت لهم يتوقفوا في الميدان ..وفعلا ربنا يكرمهمن علمونا معنى الشجاعة والجرأة وتوقفوا فعلا برغم احتكاك الأمن بهم ..
كانت (أم فداء ) تقف بجواري.. امرأة عظيمة تعلمت منها كثيرا على الفيس بوك .. كنت أول مرة أراها .. قالت لي : أنا أم فداء ..قلت : أهلا بحضرتك يا فندم ربنا يكرمك ..وفعلا ربنا يكرمها كانت من الناس اللي ثبتوا الواحد في الموقف الصعب ده ..سيدة فاضلة في مثل سن أمي وتنزل الشارع وتتعرض للضرب من شوية كلاب مأجورين ..ويسرق الموبايل الخاص بها ..فعلا مواقف تستحق الدراسة وتعليمها للأجيال ..ربنا يكرمك يا أم فداء ..مصر بخير طول ما فيها ناس زي حضرتك ..واسمحيلي أعتبرك زي امي وده شرف كبير لي ..
وطبعا ربنا يبارك في البنات اللي وقفوا ووصلوا صوتهم وتحدوا عصا الأمن الغليظة ..وكسروا حاجز الخوف ..ربنا يحفظهم


وبدأ الهتاف

بدأنا بالهتاف ..حرية حرية ..يا اهلاينا انضموا الينا ..يا حرية فينك فينك ..الطوارئ بينا وبينك ..وهبا بدأ الضرب فينا ..مش بيفرقوا بين شاب أو بنت أو كبير أو صغير ..(ألا لعنة الله على الظالمين ) ..أنا لقيت نفسي وقعت على الأرض ووقعت نظاراتي الطبية ..وتكسرت تحت الأرجل ..حاولت أن ألتقطها ..ولكن هيهات ..لاقيت تلاتة من مخبري الأمن بدأوا بالإعتداء علي ..ونزلوا ضرب في وانا على الأرض ..ولاقيت ايد ماسكاني من دراعي اليمين وايد تانية من دراعي الشمال ..وايد تالتة من حزام البنطلون ! ..حاولت ان أقاوم ..وتخلصت من واحد وليقوم الاثنان الآخران بضربي في بطني ووجهي ..حاول أن يأخذ موبايلي فرميته بعيدا ..ولكنهم أخذوه وسرقوه الكلاب ..وكان في كتفي الشنطة ..فرميتها بعيدا ..وكان بها عدة الشغل ( سماعة بالطو كتاب طبي والذي منه ) ..شنطة كنت لسة شاريها أول امبارح ..يلا خيير ..كله علشان خاطر مصر !
حكي لي أحد الشباب فيما بعد في الحجز ..أنه شاف أحد المخبرين الكلاب بيضرب بنت ضرب مبرح ويعتدي عليها بلا رحمة ولا شفقة فجري على المخبر وضربه فاجتمع عليه 5 مخبرين وضبروه وأخذوه ..ربنا يكرمك يا بو حميد ..وربنا ينتقم من الظلمة ..وربنا يحفظك يا أختنا

فيديو الإعتداء علينا



في سيارة الترحيلات

قادوني الى سيارة الترحيلات الخضراء الزيتي ! وعديت الكوبري ابص حواليا مش لاقي ولا واحد من الناس اللي كانت واقفة والبياعين والطلبة واللي بيتفرجوا ..أول ما بدا الضرب كله جري وأصبح الكوبري خاليا الا من المخبرين والناس المعتقلين !
عدينا الطريق والناس الواقفة في البر الآخر من الكوبري بتنظر الي بذهول ..نظرت للجموع الواقفة بحسرة وقلت بلسان الحال : دا احنا واقفين علشان خاطركم وانتوا لسة بتتفرجوا !
مفيش راجل من الناس اللي واقفين ف الميدان يدافع عن البنات اللي بينضربوا ..فين النخوة يا بشر ؟
فين البايعيين وفين الصنايعية وفي الأنفار اللي واقفة على الكوبري ..قاعدين يربوا في شنباتهم وبجوارهم ستات بألف من نوعية الشنبات دي !
دخلت السيارة وسط سباب وضرب حتى دخلت الى الداخل
صندوق حديدي كبيرمظلم من الداخل بشكل كبير ..ما تشوفش اللي جنبك ..دخلت وجدت رفقاء النضال ! ..حوالي 7 أفراد ..وبعد قليل دخل حوالي 6 آخرين ..ليكتمل عددنا 13 واحد ..سلمت على الشباب ..ومن بينهم (عبد الله) سنه 16 سنة في تانية ثانوي ..كان خايف شوية ..مسكت بكتفه : ما تخافش يا عبد الله انت راجل ..وانت صح ..واحنا معاك يا حبيبي ما تخافش ..


في مقر الترحيلات

وصلت سيارة الأمن المركزي في طريقها إلى مقر الأمن المركزي بشبين الكوم ..وسارت السيارات بسرعة كبيرة ..ولا يهمها مطبات ولا منحنيات ..كنا قاعدين نخبط في جدران السيارة من الداخل ..وأحيانا نقع على أرضية السيارة ..وصلنا بعد ربع ساعة في الطريق ..حتى توقفت السيارة ..حالة من الترقب اعتلت وجوه البعض .. نزلنا واحد واحد ..طبعا كان معانا ناس خايفة جدا ..ودار بخاطرهم مشاهد استقبال المساجين في فيلم (الكرنك) و (احنا بتوع الأتوبيس) !
طمئنا أنفسنا وطمنا الناس ما تخافوش يا جماعة ..احنا في عصر الديموقراطية ! ..
فتح الباب ..نزلنا واحد واحد ..أجلسونا على الأرض في صفين ..كنت في مقدمة الصف ..فتشونا تفتيشا ذاتيا ..أخذوا متعلقاتنا الشخصية ..وأخذوا بياناتنا واحد واحد ..الاسم السن العنوان الوظيفة ..كان مأمور السجن شخصية محترمة جدا ..كان طوال الوقت مبتسم وكأنه مبسوط مننا ! ..جاء أحد المجندين بالمياه ..كنت في غاية العطش ..شربت قليلا من الماء ..وشرب الباقون ..حاولنا تلطيف الجو ببعض الدعابات للتخفيف على الشباب اللي معانا ..جاء أحد ضباط أمن الدولة ..ذو الوجه الكشر ! ..نظر إلينا نظر غضب ..(اضحكوا اضحكوا ! ) هكذا قال بلهجة غاضبة ..سكتنا قليلا فلم أكترث بما قال .. لم نخف من هذا التهديد ..فأرواحنا بين يدي الله وقد بعنا أجسادنا لله والله اشترى ..وبعد إجراء كثير من الاتصالات بين القيادات الأمنية وبعضها البعض ..ونحن مازلنا جالسين على الارض ..صدرت الأوامر بإدخالنا إلى عنبر الاحتجاز ..

في عنبر الاحتجاز

دخلنا اثنين اثنين إلى عنبر الاحتجاز ..حجرة مساحتها 3 في 6 متر تقريبا ..بها دورة مياه ..لا تصلح للاستخدام الآدمي ..الباب لا يقفل ..وان حاولت قفله فهناك فتحة كبيرة فيه تسمح لمن في الخارج أن يرى من في الداخل ! ..الأرض بلاط ساقع ..والسقف مرتفع حوالي 5 متر ..به لمبة 50 وات ..تضئ كأنها وناسة ! ( كما يطلق عليها الفلاحين ) ..جلسنا على الأرض (البرش) ..وانتظرنا إلى آذان العصر ..قمت ورفعت الأذان في عنبر الاحتجاز ..وصلينا السنة ..وادينا صلاة الجماعة ..ودعونا الله في صلاة العصر أن يتقبل منا وقفتنا ..وأن يهدي الظالمين ! ..ختمنا الصلاة ..اتفق الإخوة على أن نبدأ حفلة سمر ..

وبدأنا حفلة السمر

جلسنا على شكل دائرة كبيرة ..كان عددنا 13 معتقلا ..ولحق بنا آخر فأصبحنا 14 معتقلا ..بدأنا حفلة السمر ..بقراءة القرآن ..فافتتحت ببسم الله الرحمن الرحيم (ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ...........)

وسط خشوع المعتقلين ..بدأنا بعدها بالتعارف ويشمل الاسم والبلد وتاريخ الميلاد ..وظروف الاعتقال ! ..وكيف عرف بالمظاهرة

كان عدد كبير منا سبب نزوله هو أنه قرأ الاستيتس بتاعي على فيس بوك ..فنزل الى المظاهرة ..وبعدها يقول (منك لله يا سليمان !) هههههه

أكملنا التعارف ..ومن ضمن المفارقات الجميلة في غرفة الحجز ..كان معانا واحد من شبين في كلية حقوق عين شمس ..كان عيد ميلاده هو 26-1 أي يوم اعتقاله ..فقررنا لو طالت فترة الاعتقال أن نحتفل به ..ونجيب جاتوهات وشموع وحاجات كدة ! (روقان ) ..بس لما نشوف هيكون مصيرنا ايه ؟!

وبعد فقد أنشدت نشيد ( صبرا أخيا )

صبرا اخيا اذا ألم بلاء

فالصابرون على الهدى أمناء

صبرا أخيا على قضاء نازل

فهو امتحان ليس عنه غناء

وانتهت فترة السمر قبيل المغرب بدقائق

قرانا أذكار المساء ..واستعدينا لصلاة المغرب ..ثم أعلنت الأذان وأقمت الصلاة وصلينا ..وبعدها كان هناك فقرة حرة ..اللي عاوز يعمل حاجة يعملها ..أحدهم فتح مصحفة ..وآخر يستلقي على البلاط يستريح قليلا من عناء اليوم ..وأحدهم جلس واجما ساكتا ..وأحدهم كان خائفا ..وهكذا كان لكل واحد منا حال ..اما أنا فقد أقفلت جاكيتي الممزق من قبل كلاب المخبرين ..ووضعت راسي على الأرض ..وأغمضت عيني .

مع صديقي باسم على البرش !

ما ان استلقيت على الارض حتى جاء صديقي ورفيق دربي باسم واستلقى بجانبي ..وتحدثنا مع بعضنا ..قلت : ايه رأيك في التجربة دي يا عم باسم ؟ ..على فكرة أنا سعيد جدا بالتجربة دي ..وفعلا مستمتع بها ..وبحاول أن استمتع بكل لحظة فيها !

باسم : تجربة جديدة فعلا بس يارب ما تطولش !

قلت : يارب

باسم : يا سلام يا سليمان ..ربنا قدر لنا ننام جنب بعضنا على البرش ! ..مفيش أجمل من كدة ..ويارب ندخل الجنة سوا ماسكين في ايدين بعض

قلت : لأ يا عم أنا هدخل وانا ماسك في ايد زوجتي !

باسم : يا عم ماهي هتدخل مع الأخوات !

قلت : على رأيك ..نبقى نقابلهم جوة بقى !

باسم : أول لما نخرج من هنا لازم نخطب يا ابو سليمان ! ..

قلت : صحيح يابني !

ودار حوار طويل على هذا النسق ..يجمع بين الفكاهة والروحانية والدعابات الجميلة

قلت : عارف يا باسم ايه الشعور اللي بيسيطر عليا دلوقت ؟

باسم : ايه ؟!

قلت : الجوووووووووووووع

وتعالت الضحكات

اختلفت الأسباب والاعتقال واحد !

كان معانا ناس اعتقلت غلط !..قدر الله له أن يمشي في هذا المكان ..أثناء الاعتقالات ..كان معانا واحد من قرية الماي .. كان رايح يسأل على الدهب لأن خطوبته يوم الجمعة !..ليفاجأ بثلاثة من المخبرين أمسكوا به ..وضربوه وأخذوه الى سيارة الترحيلات ..كان شخصا هادئا ..كان يحكي لنا الحدث وهو يضحك ..ويقولي : أنا والله ما أعرفش حاجة عن السياسة ولا اللي بيجرى في البلد ..دا حتى كان بيسألنا : هي المظاهرة دي كانت لييه ؟! ...ولكن بعد اعتقاله قرر انه يهتم بشئون بلده واللي بيجرى فيها ..

باسم ..صاحبي وحبيبي ورفيق دربي ..اتصل بي قبل المظاهرة وقالي انت فين ..فقلت له عند عمر أفندي ..فجاء ووقف في المظاهرة ..فلما اعتقلت ..واعتدى علي المخبرين ..قالي بعدها : أنا مقدرتش أشوفك وانت بتعتقل وكان ممكن أجري بس مقدرتش ..فقررت أعتقل معاك ! ( حبيبي يا باسم)

عبد الله ..طالب في تانية ثانوي عام ..كان رايح يخلص استمارة الثانوية ..فتم اعتقاله !

أحمد ..خريج كلية التربية ..استطاع أن يفر من المخبرين ..ولكنه رأي أحد المخبرين السفله يضرب بنت ضربا مبرحا ..فلم يتمالك نفسه ..فرجع باتجاه المخبر وقام بضربه فجاء 5 مخبرين وقاموا بضربه واقتياده الى سيارة الترحيلات ..ونعم المرؤة يا بو حميد

وهكذا لكل واحد حكاية شيقة ..كلما حكى أحدهم قصته ..نضحك بعدها جامد جدا ..وكاننا في قهوة ! ..وليس في عنبر احتجاز .

قوموا مفيش صلاة !

ولما أذنت العشاء ..أعلنت الأذان بفضل الله للمرة الثالثة في عنبر الاحتجاز ..وصلينا السنة ..نادوا علينا ..هنتحرك دلوقت ..طيب يا جدعان نصلي العشا الأول..قالوا لأ يا جماعة لازم نتحرك ..ودي أوامر ! ..ماشي

اصطفينا في صفين ..كنت في بداية الصفوف ..مكلبشا مع أخويا باسم ..كانت التوصية أن نبتسم ولا يبدو علينا القلق أو التوتر ..نرفع رؤسنا بشموخ من غير تكبر ..كلبشنا العساكر ..كل اثنين مع بعض ..سألت أحد العساكر : احنا رايحيين فين ؟!

قال بهمس ( رايحيين أمن الدولة ! ..ليلتكم سودا النهاردة !)

قلت له بإبتسامة : ربنا يطمنك يا ريس !

خرجنا من الحجز ..لنستنشق قليلا من الهواء النقي ..لينعش الأرواح ..كانت أرواحنا عالية جدا ..ألقى علينا مامور السجن نظرة الودع بإبتسامته المعهودة ..وانصرف .

في سيارة الترحيلات للمرة الثانية

ركبنا السيارة اثنين اثنين ..كانت مظلمة للغاية ..لا تكاد ترى يديك ..ظلام رهيب ..أخذت نفسا عميقا ..ودعوت الله : يارب ارزقنا الثبات ..اللهم انزل علينا السكينة والطمأنينه ..وشعرت بهدوء نفسي رهيب ..كأني رايح مثلا أصلي الفجر أو التروايح ! ..أوصانا الاخوة بالاستغفار والذكر طوال الطريق ..همست الى أخويا المكلبش معي ..بقولك يا باسم أنا بدعي ربنا أن يبدلنا بهذه الظلمة وفي وسط أجواء التوتر والخوف أن يبدلنا بها نورا في قبورنا وطمأنينه في لحودنا ..يارب ..وتحرك موتور السيارة في الطريق ..كان الشباب يتابعون الى أين ستتوجه السيارة ..فوجدناها وقفت امام محكمة شبين الكوم! ..


في النيابة

توقفت السيارة ونزلنا في وسط حراسة أمنية مشددة ..ثلاثة سيارات تتحرك معنا بها قوات أمن مركزي ..أحاطتنا قوات الأمن المركزي بالعصيان ..نزلنا فوجدنا المحامين في انتظارنا ( أ.طارق – أ.اسلام – أ.وائل ) ربنا يكرمهم ويحفظهم وداموا مدافعين عن الحق وأهله ..صعدنا اثنين اثنين مكلبشين طبعا ..صعدنا الى الدور السادس أو السابع ..مش فاكر بالظبط ..أجلسونا على السلالم ..في انتظار السادة وكلاء النيابة ..جلسنا ما يقرب الساعة ..فتحت مصحفي وقرأت مابين جزئين الى ثلاثة أجزاء تقريبا ..ثم نادوا علينا وقسمونا الى 4 مجموعات ..كل مجموعة الى وكيل نيابة من الموجودين ومع كل مجموعة محامي ..وكالعادة كنت أول من دخل ..

دخلت على وكيل النيابة ..شاب تقريبا في الثلاثينات من عمره ..عليه هيبة ووقار ..شخصية محترمة جدا ..يجلس على مكتب وبجواره السكرتير الذي كان من قريتي وقريبي كمان !

قلت : سلام عليكم

قال : عليكم السلام ..اتفضل يا دكتور !

قلت : ربنا يكرمك

(أخذ بياناتي الشخصية ..وعرف أنني خريج كلية طب ..وبدا بالاسئلة )

قال : ما قولك في التهمة المنسوبة اليك من مدير المباحث (فلان الفلاني) بأنك قمت بعمل مظاهرة تتطالب بتغيير النظام الحاكم وتتطالب بالاصلاح والتغيير ! والتي أدت الى تعطيل حركة المرور والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة ! والتعدي على رجال الأمن ! ؟!!

وهكذا كانت معظم الأسئلة

(صراحة كان وكيل النيابة متعاطف معي للغاية ..وكان بيكلمني باحترام شديد ..ربنا يكرمه ويحفظه )

جلست في التحقيق لمدة 20 دقيقة تقريبا

ووقعت على أقوالي

أخذت التحقيقات مع الجميع حوالي ساعتين

وصدر الحكم بإخلاء سبيلنا ..بفضل الله تعالى


مع صديقي الغالي أحمد

في أثناء التحقيق مع الباقي تحدثت مع صديقي أحمد والذي يعمل مبرمجا ..قال لي : يا أخ محمد أنا عاوز أخطب واحدة من البنات اللي كانوا واقفين في المظاهرة ! !

قلت : ربنا يهديك يا شيخ احمد ..عاوزها واحدة ثورية تعملك كل يوم مظاهرة في البيت !

وتذكرت أحد نوادر الأخوة كان يحكي ويقول : كانت مراتي وراها موعد مع الأخوات وكان لسة راجع من البيت ..قابلها على السلم : قالها رايحة فين ؟

قالتله : ورايا لقاء !

قالها : مش هتنزلي !

قالت له : لأ هنزل !!

واحتدم النقاش

فلما الاخوة بعد كدة سألوه : عملت ايه مع مراتك ؟

قاله : توصلنا الى حل وسط ..هو انها تروح اللقاء !!

المهم أحمد قالي : أنا بتكلم بجد !

قلت : والله

قالي : والله

قلت : خلاص هشوفلك الموضوع ده ! خليك معايا على الخط وأنا هظبطك !

(منتهى الروقان ..يخرب بيت كدة !..يابني احنا ف المحكمة ممكن نتحبس وناخد حكم!)

وبعد اخلاء سبيلنا

وسط حالة من الترقب والاستغفار ..صدر قرار وكلاء النيابة بإخلاء سبيلنا ..الله أكبر ..الحمد لله ..نزلنا الى الدور الأرضي ..لنجد الاخوة أحضروا لنا ما لذ وطاب من الأطعمة والأشربة والبطاطين ..ولنجد أهالينا في استقبالنا ..قلت للمحامي ..لو سمحت يا أخي تتصل بالبيت عندي تطمن أمي في البيت فهي قلقانة علي جدا ..اتصل وطمأنها فخفت حالتها قليلا ..لم أستطع أن أهاتفها لأني لم أتملك نفسي من البكاء ..فلم أحب أن تهاتفني وأنا بهذا الشكل ..وخرجنا وركبنا سيارة الترحيلات وسط اجراءات أمنية مشددة ..انطلقنا فرحين مستبشرين ..كنا نحمل عشرات الاكياس من الفواكه والأطعمة والزبادي ! والأكل المرفه ! .. يا سلام لو نعتقل كل يوم !..ربنا يكرمكم يا أخواننا ويحفظكم لنا .

في عنبر الجنائيين !

انطلقت السيارة الى بندر شبين الكوم في حوالي الساعة الثانية عشر ليلا..فكوا القيود ..وأخذوا متعلقاتنا لتفتيشها ..وفتشونا تفتيشا ذاتيا مرة أخرى ..ودخلنا مع الجنائيين ..أيقظوهم من نومهم وأوقفوهم ليستقبلوا زملائهم الجدد ! ..كانت حجرة 2في 4 متر تقريبا ..بها 23 سجين ! ..استقبلنا السجناء بالترحيب ..واكرمونا صراحة ..وفرشوا لنا البطاطين ..قلنا لهم : يا جدعان ما تتعبوش نفسكم واحنا هنظبط كل حاجة ..

قالوا لنا : أبدا والله ما تتعبوا نفسكم ..الناس اللي قبلنا كانوا بيفرشولنا ويكرمونا واحنا لازم نكرمكم ونفرشلكم ! ..

فرشوا لنا البطاطين ووضعنا الأكل وهممنا لنأكل ونوزع الأكل اللي معانا علينا كلنا ..نادوا علينا ..فين المساجين الجدد ؟

خير يا جماعة

هتتعرضوا على أمن الدولة !..يا ساتر يارب


وذهبت الى أمن الدولة لدخول الحمام !

صدرت الأوامر للقيادات الأمنية بالذهاب الى مقر أمن الدولة بشبين الكوم

تكلبشنا مرة ثانية اثنين اثنين

وركبنا السيارات للمرة الرابعة وتحركت معنا عساكر الامن المركزي لحراستنا !.. وسط خنقة من عساكر المركز اللي تعبوا معانا بصراحة ..وانطلقنا الى أمن الدولة ..

توقفت السيارات ..لنجد أنفسنا أمام مقر أمن الدولة بشبين الكوم ..مبنى مضئ بالأنوار العالية وعلى جانبي بوابته عساكر مدججين بالسلاح ..دخلنا اثنين اثنين أيضا ..وجلسنا في الاستراحة في الدور الأرضي ..كان هناك تجديدات في المبنى منذ آخر زيارة لي هناك ..نظفوا المكان وعملوه بالسيراميك ..ورمموا المسجد ! (استغربت جدا هو فيه مسجد في أمن الدولة ؟!).. وعملوا دورة مياة نظيفة ..

جلسنا في الاستراحة ما يقرب من ساعة ..قعدنا ندردش مع العساكر اللي معانا ..نادوا على أول شخص (المرة دي مش انا !) يضعوا على عينيه عصابة سوداء ويقتادوه الى الدور الثاني ..يأخذوا بيانته ..ويحذروه أنه يشارك في المظاهرات دي تاني ..وينزل بعد 5 دقايق ..نادوا على الجميع ما عدا أنا وكمان اثنين ..حيث صدرت الأوامر الفورية من القيادات العليا بالإفراج عن كل المعتقلين ! ..( بيفكرني بفيلم أنا مش معاهم!)

أثناء فترة الانتظار طلبت من العساكر أن أدخل الحمام ..محدش عارف كان ممكن يكهربوني ولا حاجة ! فقلت أدخل الحمام علشان الsphincters ما تفتحش أثناء الكهرباء ! ..وتبقى مأساة ! ..

قلت سبحان الله قدر الله لي أن أدخل الحمام في هذا الوقت وفي هذا المكان !

(وتذكرت كلمة والدي رحمه الله : أنفاس معدودة في أماكن محدودة في أوقات معلومة )

خرجنا من أمن الدولة ..لنركب السيارة للمرة الخامسة إلى بندر شبين ..ليتم الإفراج عنا ..سبحان الله كانت الأمور تسير بشكل يسير وسهولة ..كانت ببركة دعائنا ودعاء أهالينا ودعاء اخواننا ..تم أخذ الفيش والتشبيه أيد ورجل ! ..وأخذنا متعلقاتنا والبطاطين وتركنا الأكل للمساجين رزقهم بقة ..سبحان الله ..خرجنا من البندر واستنشقنا هواء الحرية مرة ثانية ..يا الله الحرية دي غالية أوي ولا تقدر بمال ولا بكنوز الدنيا ..قابلنا أهالينا في الخارج وسلمنا عليهم واحتضناهم ..وسلمنا على الاخوة في الخارج ..أوصلني أخي الحبيب محمد هشام الى بيتي بسيارته الساعة الثالثة صباحا ..ربنا يكرمه يارب ..ووصلت أمام الشارع

حرارة اللقاء

دخلت الشارع ..فوجدته خاليا تماما من أي شخص ..نظرت الى السماء ..وأخذت نفسا عميقا ..وشعرت بسعادة غامرة تملأ كياني ..واقشعر بدني ..وخطوت خطوات متوسطة السرعة ..ووجدت لساني يقول : الحمد لله ..الحمد لله ..الحمد لله

فتحت بوابة بيتنا ..وصعدت السلالم ..وقلبي يخفق قلقا على أمي ..فتحت الباب ..لأجد أمي بإستقبالي ..فقد ظلت مستيقظة طوال الوقت ..احتضنتني أمي وشعرت بمعنى الأمومة ..قبلتني أمي بلهفة ..حمد لله على سلامتك يا حبيبي ..الحمد لله يارب ..الله يسلمك يا أمي ..قبلت رأسها ..وقلت الحمد لله ..ووجدت خالتي واولادها يجلسون مع أمي ..سلمت عليهم جميعا ..الحمد لله

وبقيت كلمة

طوال وقت الاعتقال أحسست بأن الله تعالى معنا في كل لحظة لأننا مظلومون وأننا إن شاء الله على حق ..تجربة جديدة في حياتي حاولت أن أخوضها واستغل كل لحظة فيها لتقربني الى الله ..دعوت الله كثيرا لأن دعوة المظلوم لا ترد ..دعوت الله أن يصلح أحوال بلدنا وأن يولي أمورنا خيارنا ..أحسست بأن الله تعالى يعلمني بالتجربة الجديدة ..وكانت مدة قصيرة لا تتعدى 15 ساعة ..ولكنها تعني لي الكثير ..تعلمت منها أن الأمور بيد الله ويسيرها كيف يشاء ..وتعلمت أن قضاء الله نافذ نافذ لا محالة ..تعلمت معنى الرجولة والشجاعة ..تعلمت ألا أخاف من بشر ..ولن أنسى كلمة رجل الأمن الذي قال : اللي بيخاف من ربنا كلنا بنخاف منه وبنعمله ألف حساب واللي بيخاف مننا بيخلي أقل واحد مننا يتجرأ ويفتري عليه !

تعلمت أن الإهانة التي تعرضت لها في الشارع وأمام كل الناس وأنا في غنى عنها وأنا طبيب ولي احترامي وكرامتي وأتعرض للضرب والسحل والشتيمة من قبل المخبرين تذكرني بانني لست أغلى عند الله من سيدنا النبي الذي لاقى الأذى من قومه وتعرض للضرب ايضا وتعرض للإهانة أيضا وتعرض للسب كذلك ..صلى الله عليه وسلم

سئل الإمام الشافعي : ايهما خير للعبد التمكين أم الابتلاء ؟

فقال : لا يمكن العبد حتى يبتلى

تعلمت أيضا أن كثير من العساكر اللي كانوا معانا وكثير من الظباط تعاطفوا معنا ويعرفون الصح فين والغلط فين ؟ ويعلمون أننا على حق ولكنهم قد وضعوا في ظروف تمنعهم من ابداء ذلك

تعلمت أن الرجولة مش بالشنب ولا باللحية ! ولا بالصوت الغليظ ولا بالخطب العصماء ولكن الرجولة مواقف فعلا ..وان كانت تصدر من بنت ضعيفة أضعف بكثير من رجال الامن

وتعلمت أن قيمة الأخوة تظهر في أوقات الشدة

وتعلمت أن من كان الله معه فلا يخاف ولا يجزع لأنه باع حياته والله اشترى

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)

وتعلمت أن أهتم بقضايا أمتى بكل الوسائل ..ولا أكتفي بالمشاهدة والفرجة

تجربة جديدة بالنسبة لي ..واسال الله تعالى أن يتقبل تلك السويعات القليلة

آمين

شهادتي

محمد سليمان

27-1-2011

___________________________________

تحديث 9 فبراير

أسأل الله أن يرحم الشهداء وأن يلحقنا بهم على خير


تعليقات: 9

كلمات من نور يقول...

تعلمت أن من كان الله معه فلا يخاف ولا يجزع لأنه باع حياته والله اشترى
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)
وتعلمت أن أهتم بقضايا أمتى بكل الوسائل ..ولا أكتفي بالمشاهدة والفرجة
تجربة جديدة بالنسبة لي ..واسال الله تعالى أن يتقبل تلك السويعات القليلة
==============================

كم تعلمت منكم الكثير يا سليمان يا أعز الاطباء ...ربي يوعدني لقياكم إن لم يكن في الارض ففي جناته بأمره

ملحوظة متنساش العروسة اللي وعدت زميل الزنزانه بها (:

غير معرف يقول...

تعلمت أن من كان الله معه فلا يخاف ولا يجزع لأنه باع حياته والله اشترى

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)
بالفعل ربنا يكرمكم جميعا ويعينكم على قول الحق والمومن اشد ابتلاء بارك الله فيكم ياشباب الامة
بل تعلمت وعلمنا منك اخي محمد وباذن الله نبارك لكم بالحرية والنصر القريب القريب

غير معرف يقول...

زميلى الفاضل لقد أحسست انى قرات لكاتب عظيم ولجندى مقاتل ولطبيب مستقبل سيعطف على الناس ويخاف عليهم
لك منى كل التحية والتقدير
وربنا يستر من اللى هيحصل النهارده
الامضاء :زميلة من كلية الطب

دكـــــتور جدا يقول...

كلمات من نور
_________
ماما نور
ربنا يبارك في حضرتك
ويارب يقدر لنا اللقاء بحضرتك
.....
وطبعا مش هنسي العروسة بتاع صاحبي أكيد

دكـــــتور جدا يقول...

زميلة من كلية الطب
____________________
جزاكم الله خيرا على الاطراء الذي لا استحقه
ربنا يكرمك

غير معرف يقول...

ربي يحميك ...

غير معرف يقول...

واحد من الزنزانة (أبو حميد)
لما جريت لحظة الاعتقال كنت بعيد عن المخبرين شوية بس افتكرت موقف أخت كانت واقفة بحماس شديد أمام المخبرين عند عمر أفندي قبل ما نبدأ عند جلهوم زعلت من نفسي إني جريت مع إيماني إن ده قدر أولاً وأخيراً وإن فيه دور بيكون برة السجن لازم الواحد يؤديه بس المهم اللي حصل رجعت وشفت ما لا يقدر إنسان علي رؤيته .
-----------------------------------
أنا مكنتش متخيل إن السويعات اللي قضيناها في السجن أو الفسحة دي كانت ممكن تكتب بالطريقة الحلوة دي .
صراحة يا أخ محمد أنا سعيد جداً برؤياك من أول مرة شفتك فيها في اللقاء الختامي لعام 2009 في النادي اللي عند كبري مبارك .
وصراحة فيه كلام كتير جداً بخصوص اليوم ده بدءاً من لحظة اعتقالي إلي رؤية أبي وأمي (حفظهما الله)ورؤية إخواني (نعمة لا تنسي) .
وفي الختام السلام عليكم وإن شاء الله سأكون من رواد هذه المدونة الرائعة حقاً .

المحيط الاسلامى يقول...

بسم الله ماشاء الله ما احلى مدونتك بس ودى انك ترفع بعض الشروحات لمساعد المبتدئين فى التدوين مثلا بالنسبه لى اريد ان ارفع الاغانى الاسسلاميه على مدونتى فى فولدرات مثلك كيف بتملها

dr sasa يقول...

Thank Allah for your safety
and allah lett you your mother.
and lett you always together